الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

14

تفسير كتاب الله العزيز

وقد أشار ابن خلدون في مواضع كثيرة من تاريخه إلى أغلب هذه المواطن ، ولكنّ أبا عبيد البكري هو الذي يفيدنا أكثر في معرفة هذه المواطن وطبيعة الحياة فيها . لقد ذكر البكري قبيلة هوّارة في مواضع كثيرة من كتابه المسالك والممالك ، منها ما جاء في حديثه عن الطريق من مدينة القيروان إلى قلعة أبي طويل . قال : « ومن هنا [ من مدينة تبسّة ] إلى قرية مسكيانة ، ومنها إلى مدينة باغاية ، وعلى مقربة منها جبل أوراس » . وذكرها أيضا عند وصفه لمدينة تهوذا فقال : « وبها جامع جليل ومساجد كثيرة وأسواق وفنادق ونهر ينصبّ في جوفيها من جبل أوراس » . وذكر أن بجوارها « هوّارة ومكناسة إباضية ، وهم بجوفيها ، وأهل تهوذا على مذاهب أهل العراق . . . » « 1 » . ولعل أنسب وصف لموضوعنا هو ما ذكره البكري في الطريق من مدينة فاس إلى القيروان . قال : « ومن أدنة إلى مدينة طبنة مرحلتان . . . ثم تمشي ثلاث مراحل في مساكن العرب وهوّارة ومكناسة وكبينة وورقلة ، يطلّ عليها وعلى ما والاها جبل أوراس ، وهو مسيرة سبعة أيّام ، وفيه قلاع كثيرة يسكنها قبائل هوّارة ومكناسة ، وهم على رأي الخوارج الإباضية . . . وفي هذا الجبل كان مستقرّ الكاهنة إلى مدينة باغاية ، وهي حصن صخر قديم حوله ربض « 2 » كبير من ثلاث نواح ، وليس فيما يلي الناحية الغربية ربض ، إنّما يتّصل بها بساتين ونهر . وفي أرباضها فنادقها وحمّاماتها وأسواقها . وجامعها داخل الحصن . وهي في بساط من الأرض عريض ، كثير المياه ، وجبل أوراس مطلّ عليه . ويسكن فحص هذه المدينة قبائل مزاتة وضريسة ، وهم يظعنون في زمن الشتاء إلى الرمال حيث لا مطر ولا ثلج خوفا على نتاج إبلهم ، وإلى مدينة باغاية لجأ البربر والروم ، وبها تحصّنوا من عقبة بن نافع القرشي . . . » إلى أن يقول : « وأهلها كلهم اليوم على رأي الإباضية » « 3 » . هذا هو جبل أوراس ، وتلك هي قبيلة هوّارة التي كانت ، بجانب قبائل أخرى ، تعمره ، وتتنقل حواليه ، وإلى الجنوب منه خاصّة ، كما يصوّره لنا البكري . هنالك قضت أسرة عالمنا حياتها عقودا من القرن الثالث الهجري ، في ظل الدين الإسلاميّ الذي اعتنقه أسلافها منذ الفتح الإسلامي في القرن الأوّل الهجري . ولا تزال أسر كثيرة في هذه

--> ( 1 ) البكري ، المغرب ، ص 50 ، و 72 ، و 73 . ( 2 ) الربض : ما حول المدينة من النواحي . ( 3 ) البكري ، المغرب ، ص 145 .